السيد حيدر الآملي

203

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وأمّا قرنها إلى حدّه ، فإشارة إلى إحاطة أمره سبحانه بما لتلك القوابل من الكمالات الفائضة واشتماله عليها . وقوله : الهواء من تحتها فتيق ، إشارة إلى قبول القوابل المذكورة ، والماء من فوقها دفيق إشارة إلى ما يحمله أمر اللَّه من الفيض المذكور ، ويلقيه على تلك القوابل ، وكلّ ذلك بترتيب عقليّ لأزمان تلحقه فيعقل فيه التراخي . وأمّا الريح الثانية ، فأشار بها عليه السّلام إلى الأمر الثاني ، ووصفها باعتقام مهبّها ، إشارة إلى عقد ذلك الأمر وإيقاعه على وفق الحكمة الإلهيّة ، وإلى عدم مانع لجريان ذلك الأمر ، وبإدامة مربّها إلى إفاضة مقارّ ذلك الأمر فكأنّه شبّه الفيض الصادر بهذا الأمر على هيولات الأجسام الفلكيّة بالديمة الهاطلة على الأماكن الَّتي يجتمع بها ويقيم ، أو أراد أنّ المحالّ القابلة لذلك الأمر المستلزمة له ذاتيّة دائمة ، وأشار بعصف مجراها إلى سرعة ذلك الأمر كما وصف به الريح الأولى ، ويبعد منشأها إلى عدم أوليّة مبدائية ، وبأمره لهذا الريح إلى نسبة ذلك الأمر إلى ذاته كما مرّ ، وبتصفيق الماء الزخار وآثاره أمواج البحار إلى نسبة فيضان صور الأفلاك وكمالاتها إلى أمره سبحانه بواسطة تلك الكمالات الفعليّة للملائكة وأنّها غير مستقلَّة بإيجاد شيء بل على شرائط بعضها لبعض ولغيرها ، وبالبخار إلى تلك الملائكة وبمخضها له مخض السقاء وعصفها به كعصفها بالفضاء وترديد بعضه على بعض وإلى قوّة أمر اللَّه عليها وتصريفها على حسب علمه بنظام الكلّ وتقدير ما لكلّ فلك من الكمالات في ذات كلّ مبدأ من تلك المبادئ . وقوله : حتّى عبّ عبابه ، إشارة إلى بلوغ الكمالات لتلك الملائكة الحاصلة لها بالفعل عن أمر اللَّه إلى رتبه أن يعطي بواسطتها الفيض لغيرها ، وكذلك قوله : ورمى بالزبد ركامه ، إشارة إلى إعطاء صور الأفلاك وكمالاتها بواسطتها ، ولمّا كانت صور الأفلاك محتاجة في قيامها في الوجود إلى الهيولى كانت نسبتها إلى الملائكة المجرّدة نسبة أخسّ إلى أشرف فبالحريّ أن أطلق عليها اسم الزبد ، ولأنّ هذه الصورة حاصلة عن تلك الكمالات العقليّة وفائضة عليها كما أنّ الزّبد منفصل عن الماء ومكوّن عنه فتشابها . وأمّا رفعه في هواء منفتق ، وجوّ منفهق ، فإشارة إلى إلحاق صور